في يوليو 2025، نشر معهد MIT Media Lab تقريراً أسماه “The GenAI Divide: State of AI in Business 2025” — وكانت الصدمة في رقم واحد: 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات لم تُحقق أي عائد مالي ملموس، ولم تُسرّع أي نمو في الإيرادات. وهذا في حين ضخّت الشركات ما بين 30 و44 مليار دولار في أدوات وحلول الذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من 2025 وحده. الفارق بين الرقمين ليس مجرد إخفاق تقني — بل هو أزمة قيادية بامتياز.
الرقم الذي يُعيد صياغة المشهد
التقرير لا يُشكّك في قدرة النماذج التقنية — فهي أكثر تطوراً مما كانت عليه قبل عامين. المشكلة، وفق الباحثين، تكمن في طبقة مختلفة تماماً: الطريقة التي تُدار بها هذه المشاريع داخل المؤسسات. يُحدد التقرير أربعة أسباب رئيسية للإخفاق: الفجوة بين أدوات الذكاء الاصطناعي وسياقات العمل الداخلي، واستمرار معظم المشاريع في مرحلة التجريب دون الانتقال إلى الإنتاج الفعلي، وسوء توزيع الميزانيات نحو تطبيقات التسويق والمبيعات بدلاً من أتمتة العمليات الخلفية ذات العائد الأعلى، وأخيراً انعدام جاهزية القوى البشرية لاستيعاب التحول.
الأكثر إثارةً للتأمل في هذه النتائج هو ما يُسمى بـ”الفجوة التنفيذية”: 80% أو أكثر من المؤسسات جرّبت أدوات الذكاء الاصطناعي العامة كـChatGPT وCopilot، لكن أثرها اقتصر على تحسين الإنتاجية الفردية دون أي أثر على مؤشرات الأداء الرئيسية للمؤسسة. وبالمقابل، من بين 60% استكشفت أنظمة مؤسسية متخصصة، لم يصل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي سوى 5% فقط.
“5% فقط من أدوات الذكاء الاصطناعي المؤسسية المخصصة تصل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. الـ 95% الباقية تظل حبيسة التجريب — وتُستنزف الميزانيات معها.”
— MIT Media Lab, The GenAI Divide: State of AI in Business, July 2025
ثقة تتراجع في قمة الهرم
ما يزيد هذه الصورة تعقيداً هو أن المشكلة لا تتوقف عند التنفيذ — بل تمتد إلى ثقة القيادة ذاتها. في يناير 2026، كشف مسح شامل أجرته مؤسسة Akkodis على 2000 مدير تنفيذي أن ثقة القيادة العليا بالاستراتيجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي تراجعت من 69% عام 2024 إلى 58% عام 2025 — وهو أكبر تراجع مسجل في مؤشرات الثقة التنفيذية بهذا الملف منذ بدء رصده. الأشد دلالةً أن الرؤساء التنفيذيين (CEOs) سجّلوا أكبر انخفاض بنسبة 33%، فيما انخفض مؤشر رؤساء التقنية (CTOs) بـ20% — وهم الأكثر قرباً من التفاصيل التقنية.
لا يُشير هذا التراجع إلى فقدان الاهتمام، بل إلى شيء أعمق: الاصطدام بواقع التعقيد بعد مرحلة الاندفاع الأولى. فحين تُرجمت وعود الذكاء الاصطناعي إلى مشاريع داخلية، اكتشف كثير من القادة أن اللغة التقنية لا تكفي وحدها — وأن الفجوة الحقيقية ليست في النماذج أو الميزانيات، بل في البنية القيادية التي يُفترض أن تقود هذا التحول.
حين تتصاعد السلطة قبل الكفاءة
في ديسمبر 2025، وثّق مسح Forbes Research الذي شمل أكثر من 1000 مدير تنفيذي رفيع المستوى تحولاً لافتاً في هيكل اتخاذ قرارات الذكاء الاصطناعي: مشاركة الرؤساء التنفيذيين في توجيه استراتيجية الذكاء الاصطناعي ارتفعت من 26% إلى 55% في عام واحد. مشاركة المديرين التشغيليين (COOs) قفزت من 2% إلى 41%، والمديرين الماليين (CFOs) من 1% إلى 38%. في المقابل، انخفضت مشاركة مديري تقنية المعلومات من 67% إلى 48%، ومشاركة علماء البيانات من 44% إلى 13% فقط.
هذا التحول يُقرأ في ظاهره على أنه مؤشر إيجابي: القيادة العليا تتبنى الملف وتُدير دفته. لكن المسح ذاته يكشف وجهاً آخر أقل إشراقاً: فهم القيادة لمتطلبات البنية التحتية التقنية للذكاء الاصطناعي انخفض من 72% إلى 66%، ولا يرى سوى 38% من المديرين التنفيذيين أن قياداتهم تُدرك تحديات الأمن السيبراني المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إدراكاً كافياً. والأكثر إثارةً للقلق أن 43% من لجان حوكمة الذكاء الاصطناعي التي أُنشئت حديثاً عاجزة عن تطبيق قراراتها بسبب القيود البيروقراطية.
“المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا — بل في القيادة. الفجوات في التوافق الاستراتيجي، واتخاذ القرار، وتطوير المواهب تُقيّد الأداء بالفعل، والذكاء الاصطناعي يجعل هذه الضعف أكثر وضوحاً وأشد تكلفةً.”
— Pearl Meyer, Q1 2026 Leadership Quick Poll — 108 executives and board members
أنماط الإخفاق: ما تقوله الأرقام فعلاً
من خلال تحليل تقارير MIT وAkkodis وForbes Research وPearl Meyer الصادرة خلال 2025 و2026، تبرز ثلاثة أنماط متكررة تفسّر لماذا تفشل معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي المؤسسي رغم ضخامة الاستثمار:
- الغموض الاستراتيجي: معظم المؤسسات تنطلق بسؤال “كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” قبل الإجابة على “ما المشكلة التي نحلّها؟”. مسح Pearl Meyer لعام 2026 يُظهر أن القرارات الاستراتيجية تُتخذ في الغالب دون تعاون داخلي فعّال، وأن وضوح القرار لا يزال من أبرز العوائق أمام التنفيذ.
- فجوة التوسّع (Scaling Gap): الانتقال من مرحلة التجريب إلى الإنتاج الفعلي هو حيث تنهار معظم المبادرات. تقرير MIT يُشير إلى أن “سير العمل الهشّة” و”ضعف التعلم السياقي” و”عدم التوافق مع العمليات اليومية” هي الأسباب التقنية الرئيسية، لكنها في جوهرها انعكاس لضعف في التصميم القيادي للمشروع منذ البداية.
- سوء توزيع الموارد: يُنفق غالبية المؤسسات ميزانيات الذكاء الاصطناعي على تطبيقات المبيعات والتسويق، في حين أن أعلى نسب العائد تتحقق في أتمتة العمليات الخلفية وتحسين الكفاءة التشغيلية. هذا الخطأ في التوزيع ليس تقنياً — إنه قرار قيادي.
الـ5% التي تنجح: ما الذي يجمعها؟
أمام صورة قاتمة بهذا الحجم، يُقدّم تقرير MIT إجابة مدروسة عن المؤسسات التي تُمثّل استثناء حقيقياً: تلك التي تُحقق ملايين من القيمة المقاسة من مشاريع الذكاء الاصطناعي. المشترك بينها ليس حجم الاستثمار ولا تقدّم النماذج المستخدمة — بل ثلاثة عوامل تنظيمية:
- تحديد نقطة ألم واضحة ومحددة قبل اختيار الأداة: المؤسسات الناجحة تبدأ بمشكلة تشغيلية محددة قابلة للقياس، لا بتقنية تبحث عن مشكلة تحلّها. هذا يبدو بديهياً لكن تقرير MIT يُثبت أنه الاستثناء لا القاعدة.
- التنفيذ بالتعاون لا بالاستيراد: الأدوات المُستحضرة من الخارج تُحقق معدل نجاح يبلغ 67% حين يقترن اعتمادها بشراكة استراتيجية فعلية مع المورّد، مقارنةً بـ33% فقط للحلول المطورة داخلياً بمعزل عن خبرة خارجية. الفارق ليس في الكود، بل في نقل المعرفة والتكيف مع السياق.
- استراتيجية اعتماد مدروسة تسبق الإطلاق: المؤسسات الناجحة تُخصص استثماراً حقيقياً في تجهيز الفرق البشرية وإعادة تصميم العمليات قبل إطلاق الأداة — لا بعد أن تنكشف الفجوات.
يُعزز هذه الصورة ما رصده تقرير HTEC الصادر في يناير 2026 والمستند إلى 1529 مديراً تنفيذياً رفيع المستوى في ست دول: 45% فقط من المؤسسات يُفيد قادتها بأن الذكاء الاصطناعي مُدمج فعلياً عبر وظائف متعددة بصورة متكاملة، فيما تقبع الغالبية العظمى في مراحل التجريب أو التطبيق الجزئي. والمثير للدهشة أن 48.75% من المديرين يُفضّلون بناء القدرات داخلياً — لكن 57% منهم في الوقت ذاته يُقرّون بأن نقص المهارات في الذكاء الاصطناعي وهندسة البيانات هو أكبر عائق أمام تحقيق ذلك.
المفارقة الخطيرة: ازدياد السلطة مع تراجع المعرفة
تجمع هذه الدراسات مؤشراً يستحق وقفةً خاصة: في اللحظة التي يتصاعد فيها نفوذ القيادة العليا على ملف الذكاء الاصطناعي وتتقلص فيها مشاركة المتخصصين التقنيين، تتراجع في الوقت ذاته ثقة هذه القيادة بفهمها لمتطلبات هذا الملف. هذه ليست مفارقة عرضية — بل هي النمط الأكثر خطورة الذي تكشفه الأرقام.
مسح Akkodis يقول ذلك صراحةً: “55% فقط من القادة يعتقدون أن فرقهم تفهم مخاطر الذكاء الاصطناعي وفرصه فهماً كافياً”. وتُؤكد مؤسسة Akkodis أن الاعتماد على التوظيف الخارجي وحده لا يُغلق هذه الفجوة — المطلوب استثمار حقيقي في بناء قدرات القيادة الداخلية، تجمع بين الكفاءة التقنية والمهارات القيادية الإنسانية: التواصل، والتفكير الاستراتيجي، والتعامل مع الغموض.
ما الذي تعنيه هذه الأرقام للقائد اليوم؟
ثمة أسئلة يطرحها هذا الواقع المركّب لا ينبغي لأي قائد أن يتجاهلها:
- سؤال الهدف: هل تعرف مؤسستك ما الذي تُريد حلّه بالذكاء الاصطناعي تحديداً — أم أنها تتبنّى التقنية خشية أن تتأخر عن المنافسين؟
- سؤال الكفاءة: هل القادة الذين يتخذون قرارات الذكاء الاصطناعي اليوم يمتلكون الفهم الكافي لما يُوقّعون عليه — أم أنهم يُفوّضون التنفيذ دون أن يُحكموا قبضتهم على المتطلبات؟
- سؤال الوصول: هل مبادراتك وصلت إلى الإنتاج الفعلي أم أنها لا تزال تدور في حلقة التجريب منذ أكثر من اثني عشر شهراً؟
- سؤال المقياس: هل تقيس مؤسستك تأثير الذكاء الاصطناعي على مؤشرات الأداء الرئيسية الحقيقية — أم على معدلات الاعتماد ورضا المستخدمين فحسب؟
الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة لا تكشف فقط مدى جاهزية المؤسسة تقنياً — بل تكشف ما إذا كانت القيادة قد بنت لها رأس مال استراتيجي حقيقي في هذا الملف، أم أنها تكتفي بالحضور في المحادثة دون الانخراط الفعلي في قيادتها.
خاتمة: الذكاء الاصطناعي مرآة القيادة لا بديلها
ما تكشفه أرقام 2025 و2026 مجتمعةً هو أن الذكاء الاصطناعي لا يُخفق لأنه ضعيف — بل لأنه يصطدم ببنية قيادية لم تُهيَّأ لاستيعابه. وفق تعبير Pearl Meyer: “الذكاء الاصطناعي يُضخّم الضعف القيادي ولا يُعالجه”. المؤسسات التي ستخرج من هذه المرحلة بمزايا تنافسية حقيقية ليست تلك التي أنفقت الأكثر على الأدوات — بل تلك التي استثمرت في بناء قيادة قادرة على قيادة التحول، لا على الإشراف على الفشل في صمت.
الرقم الذي يجدر بكل قائد أن يحتفظ به: 95% من المشاريع تفشل — لكن الـ5% التي تنجح لا تشتري نجاحها بالإنفاق، بل بالوضوح.
المراجع والمصادر:
- MIT Media Lab, The GenAI Divide: State of AI in Business 2025, July 2025 — enterprise AI pilot success and failure rates.
- Akkodis, Global AI Strategy & Executive Confidence Survey, January 2026 — 2,000 executives, global, decline in C-suite AI confidence.
- Forbes Research, C-Suite AI Leadership Survey, December 2025 — 1,000+ senior executives, AI decision authority shift.
- Pearl Meyer, Q1 2026 Leadership Quick Poll: While AI Is Advancing, Leadership Systems Are Not, April 2026 — 108 executives and board members.
- HTEC / Censuswide, C-Level View at the State of AI 2025–2026, January 2026 — 1,529 C-suite leaders across USA, UK, Germany, Spain, Saudi Arabia, UAE.
- Lucent Search, AI & Data Leadership Report 2025–2026, April 2025 — 100+ global AI and data executives.